الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
97
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أطلع من عباده على بعضها . والكلام هنا على حذف مضاف ، أي أعندهم علم الغيب كما قال تعالى : أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى في سورة النجم [ 35 ] . فالمراد بقوله عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ أنه حصل في علمهم ومكنتهم ، أي باطلاع جميعهم عليه أو بإبلاغ كبرائهم إليهم وتلقيهم ذلك منهم . وتقديم عِنْدَهُمُ على المبتدأ وهو معرفة لإفادة الاختصاص ، أي صار علم الغيب عندهم لا عند اللّه . ومعنى يَكْتُبُونَ : يفرضون ويعينون كقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [ البقرة : 178 ] وقوله : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [ النساء : 24 ] ، أي فهم يفرضون لأنفسهم أن السعادة في النفور من دعوة الإسلام ويفرضون ذلك على الدهماء من أتباعهم . ومجيء جملة فَهُمْ يَكْتُبُونَ متفرعة عن جملة أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ، بناء على أن ما في الغيب مفروض كونه شاهدا على حكمهم لأنفسهم المشار إليه بقوله : ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [ القلم : 36 ] كما علمته آنفا . [ 48 - 50 ] [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 48 إلى 50 ] فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 50 ) تفريع على ما تقدم من إبطال مزاعم المشركين ومطاعنهم في القرآن والرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وما تبعه من تكفل اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم بعاقبة النصر ، وذلك أن شدته على نفس النبي صلى اللّه عليه وسلم ، من شأنها أن تدخل عليه يأسا من حصول رغبته ونجاح سعيه ، ففرع عليه تثبيته وحثه على المصابرة واستمراره على الهدي ، وتعريفه بأن ذلك التثبيت يرفع درجته في مقام الرسالة ليكون من أولي العزم ، فذكّره بمثل يونس عليه السلام إذ استعجل عن أمر ربّه ، فأدبه اللّه ثم اجتباه وتاب عليه وجعله من الصالحين تذكيرا مرادا به التحذير . والمراد بحكم الربّ هنا أمره وهو ما حمله إياه من الإرسال والاضطلاع بأعباء الدعوة . وهذا الحكم هو المستقرأ من آيات الأمر بالدعوة التي أولها يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ إلى قوله : وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [ المدثر : 1 - 7 ] فهذا هو الصبر المأمور به في هذه الآية أيضا . ولا جرم أن الصبر لذلك يستدعي انتظار الوعد بالنصر وعدم الضجر من تأخره إلى